حبيب الله الهاشمي الخوئي
320
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
مصنوعاته ومجانسة مخلوقاته وهو قوله : ( وأشهد أنّ من شبّهك بتباين أعضاء خلقك وتلاحم حقاق مفاصلهم المحتجبة لتدبير حكمتك لم يعقد غيب ضميره على معرفتك ولم يباشر قلبه اليمين بأنّه لا ندّ لك ) ولا يخفى ما فيه من المحسّنات البيانيّة . أوّلها أنّه عليه السّلام غيّر أسلوب الكلام والتفت من الغيبة إلى الخطاب على حدّ قوله تعالى : إيّاك نعبد ، لأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب آخر كان أحسن تطرئة لنشاط السّامع ، وأكثر ايقاظا للاصغاء إلى ذلك الكلام . وثانيها أنّ التشبيه يعتمد على أركان : المشبّه ، والمشبّه ، والمشبّه به ، فالمشبّه في هذا المقام هو القايس له سبحانه على خلقه ، والمشبّه هو الله العزيز المتعال ، والمشبّه به في الحقيقة هو الخلق المتباينة الأعضاء والمتلائمة حقاق المفاصل إلَّا أنه عليه السّلام جعل المشبّه به تباين الأعضاء وتلاحم الحقاق تعريضا على ذمّ المشبّه وتوبيخه ، وتنبيها على غلطه في تشبيهه ، وذلك لأنّ تباين الأعضاء وتلاحمها من لوازم المشبّه به ، وهما مستلزمان للتركيب واجتماع المفردات المستلزمين للافتقار إلى المركب والجامع ، فمن كان ملزوما للحاجة والافتقار كيف يجوز أن يشبه به العزيز الغني المتكبر الجبّار ، فجعلها نفس المشبّه به تنبيها على كونهما بمنزلة الوسط في لزوم التركيب للمشبّه به الحقيقي حتّى يظهر بذلك تقدّسه عن التّشبه به . وثالثها أنّه وصف المفاصل بكونها محتجبة معلَّلا احتجابها بأنه من تدبيرات حكمته تعالى ومقتضياتها ، وذلك لأنها لو لم تحتجب وخلقت بارزة عريّة عن الغطاء والغشاء ليبست رباطاتها وقست فيعذر تصرّف الحيوان بها كما هو الآن مضافا إلى كونها معرضة للآفات المفسدة لها وغير ذلك من خفيّ تدبيره ولطيف حكمته . ورابعها أنه عليه السّلام شهد في حقّ المشبّهة بعدم عقد ضميرهم المكنون على معرفة الله سبحانه وعدم اعتقادهم ويقينهم بأنه لا مثل له تعالى ، وإنّما عبّر عن عدم اليقين